لو أخبرك أحدهم أن الفيلم الذي ستشاهده الليلة مدته أربع ساعات، فربما ستتردد قبل أن تبدأه. أربع ساعات تبدو التزامًا طويلًا، وقد تؤجل الفيلم إلى عطلة نهاية الأسبوع أو إلى يوم تعتقد أنك ستكون فيه أكثر فراغًا. لكن في الليلة نفسها، قد تفتح هاتفك لدقائق قبل النوم، تنتقل بين مقطع وآخر، ومن تطبيق إلى آخر، ثم تنظر إلى الساعة لتكتشف أن ساعتين مرّتا دون أن تشعر.
المفارقة هنا أننا لا نعاني دائمًا من نقص الوقت بقدر ما تغيرت الطريقة التي ننفق بها انتباهنا. ولهذا يصبح ما يحدث في مهرجان فينيسيا هذا العام مثيرًا للاهتمام؛ ففي الوقت الذي تتنافس فيه المنصات على الثواني الأولى من انتباه المشاهد، تظهر أفلام تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، وتطلب منه أن يبقى لساعات.
حين أصبح الفيلم الطويل يبدو أطول
قبل سنوات، لم يكن غريبًا أن نشتري تذكرة لفيلم يمتد ساعتين ونصف، نجلس في القاعة، تنطفئ الأنوار، ثم نترك الفيلم يأخذ وقته. أما اليوم، فمن السهل أن يبدأ الفيلم، وبعد عشر دقائق نفتح الهاتف للحظة، نرد على رسالة، نمر على إنستغرام، ثم نعود إلى الشاشة ونكمل المشاهدة. لم تتغير السينما وحدها، بل تغيرت البيئة التي نشاهدها داخلها.
لهذا فإن السؤال الذي تطرحه عودة الأفلام الطويلة ليس ببساطة: لماذا يصنع المخرجون أفلامًا بهذه المدد؟ السؤال الأكثر إثارة هو: ماذا حدث للطريقة التي نشاهد بها؟
قد نقضي أمسية كاملة في مشاهدة حلقات متتالية من مسلسل دون أن نشعر بأننا شاهدنا عملًا يمتد أربع أو خمس ساعات. وقد نفتح TikTok أو Reels لدقائق ثم نكتشف أن وقتًا أطول بكثير قد مر. نحن إذن ما زلنا قادرين على منح الشاشة ساعات من يومنا، لكن الفرق يكمن في الطريقة التي نعيش بها هذه الساعات. ساعة أمام فيلم واحد ليست التجربة الذهنية نفسها لساعة ننتقل خلالها بين عشرات المقاطع والوجوه والأصوات والأفكار.
ماذا يحدث لانتباهنا؟
في عام 2023، أجرى فريق بحثي بقيادة فرانشيسكو كيوسي تجربة على ستين مشاركًا لدراسة أثر أنواع مختلفة من المقاطعات الرقمية على الذاكرة المستقبلية. والذاكرة المستقبلية، ببساطة، هي قدرتنا على تذكّر فعل شيء خططنا للقيام به لاحقًا. أدّى المشاركون المهمة أولًا، ثم أمضوا فترة مقاطعة مدتها عشر دقائق استخدموا خلالها TikTok أو Twitter أو YouTube، أو أخذوا استراحة دون استخدام الشاشة، قبل أن يعودوا إلى المهمة. وجد الباحثون أن المشاركين في حالة TikTok أظهروا تراجعًا واضحًا في أداء الذاكرة المستقبلية، بينما لم يظهر الانخفاض نفسه في الحالات الأخرى. ورجّح الباحثون أن اجتماع الفيديو القصير مع الانتقال السريع بين السياقات كان عنصرًا مهمًا في النتيجة.
لكن دراسة واحدة لا تكفي لبناء حكم واسع على الطريقة التي تغير بها المنصات عقولنا. لذلك تصبح دراسة أخرى، نشرها نيكولاس بارتون ومايكل سميث من جامعة بريستول عام 2025، أكثر إثارة للاهتمام. فبدل مقارنة التطبيقات فقط، حاول الباحثان عزل عامل محدد: سرعة الانتقال بين مقاطع الفيديو القصيرة. شملت الدراسة 45 مشاركًا، وقُسّموا إلى ثلاث مجموعات: مجموعة تستطيع الانتقال بحرية بين المقاطع، وأخرى قُيّد انتقالها إلى عشرة مقاطع خلال عشر دقائق، ومجموعة ضابطة لم تشاهد الفيديوهات القصيرة خلال فترة المقاطعة. بعد ذلك، ظهر تراجع ذو دلالة في أداء الذاكرة المستقبلية لدى مجموعة الانتقال غير المحدود، بينما تحسن أداء المجموعة التي كان انتقالها بين المقاطع محدودًا.
السينما تطلب شيئًا آخر
السينما، في المقابل، تدعونا إلى الدخول في عالم واحد والبقاء داخله بما يكفي حتى يبدأ هذا العالم في اكتساب معنى. نتعرف إلى شخصية ثم نراها تتغير، نزور مكانًا في بداية الفيلم ثم نعود إليه بعد ساعة وقد أصبح يحمل دلالة مختلفة، ونسمع جملة عابرة في الدقيقة العاشرة لا ندرك أهميتها إلا قرب النهاية. الفيلم لا يقدم لنا سلسلة متصلة من اللحظات المثيرة، بل يبني علاقة بين اللحظات، وهذه العلاقة تحتاج إلى الزمن لكي تتشكل.
لهذا لا ينبغي النظر إلى مدة الفيلم باعتبارها رقمًا تقنيًا يظهر بجوار عنوانه. الزمن نفسه واحد من أدوات المخرج. كما يختار العدسة وحركة الكاميرا والموسيقى والمونتاج، يختار أيضًا المدة التي يسمح لنا فيها بالبقاء مع الصورة. قد تغيّر ثانيتان إضافيتان في نهاية لقطة إحساسنا بها بالكامل، وقد يكشف صمت طويل شيئًا عن شخصية لم يكن الحوار قادرًا على قوله، وقد يبدو مشهد بلا وظيفة واضحة عندما نشاهده للمرة الأولى، ثم نكتشف بعد ساعة أنه كان ضروريًا لكل ما جاء بعده.
لكن من المهم ألا يتحول هذا الكلام إلى دفاع رومانسي عن الأفلام الطويلة. طول الفيلم لا يجعله أكثر فنًا، والبطء ليس علامة تلقائية على العمق. فيلم من تسعين دقيقة قد يكون أكثر اكتمالًا من فيلم يمتد خمس ساعات، وقد تكون الساعة الرابعة من عمل ما ضرورة فنية كما قد تكون ببساطة ساعة كان يجب حذفها. السؤال النقدي الصحيح ليس: هل الفيلم طويل؟ بل: هل احتاج فعلًا إلى كل هذا الوقت؟
الفرق أن الحكم على الزمن بعد مشاهدة الفيلم شيء، ورفض الفيلم مسبقًا لأن مدته ثلاث ساعات شيء آخر. في الحالة الأولى نحن نحاكم اختيار المخرج، وفي الثانية قد نكون أمام تغير في علاقتنا نحن بالوقت.
«ربما لا تكمن المسألة في أن المحتوى أصبح قصيرًا فحسب، بل في أننا أصبحنا ننتقل بين السياقات بسرعة…»
لماذا ما زالت قاعة السينما مختلفة؟
ربما لهذا أصبحت قاعة السينما أكثر إثارة للاهتمام اليوم مما كانت عليه قبل سنوات. عندما تنطفئ الأنوار وتبدأ الصورة، نجد أنفسنا في واحدة من البيئات القليلة التي ما زالت تطلب منا أن نضع انتباهنا في مكان واحد. لا توجد قائمة لا نهائية تنتظر حركة إصبع، ولا خوارزمية تستبدل ما نشاهده عندما نشعر بالملل، ولا مقطع جديد يبدأ تلقائيًا كل بضع ثوانٍ. هناك شاشة واحدة، وفيلم واحد، ووقت وافقنا مسبقًا على منحه له.
كان هذا في الماضي مجرد تعريف لمشاهدة السينما. أما اليوم، فقد يصبح أحد أسباب حاجتنا إليها.
ليس لأن الهاتف عدو للفيلم، ولا لأن المحتوى القصير أقل قيمة بطبيعته، بل لأن كل وسيط يدربنا على طريقة مختلفة في النظر. المنصات القصيرة بارعة في الانتقال والمفاجأة والتنوع، بينما تستطيع السينما أن تمنحنا شيئًا آخر يصعب اختصاره: التراكم. أن تبقى مع وجه حتى تتغير قراءتك له، ومع مكان حتى يصبح مألوفًا، ومع قصة حتى تبدأ تفاصيلها الصغيرة في الاتصال ببعضها.
السينما لا تحتاج أن تصبح Reel طويلًا
هنا ربما نفهم لماذا تبدو الأفلام الطويلة مثيرة للاهتمام في هذه اللحظة تحديدًا. ليست المسألة أن السينما يجب أن تصبح أبطأ لكي تقاوم TikTok، ولا أن كل مخرج يحتاج إلى ثلاث ساعات كي يقول شيئًا مهمًا. المسألة أن السينما قد تخسر شيئًا أساسيًا إذا بدأت في قياس نفسها بالكامل بمنطق المنصات، فتحاول الإمساك بالمشاهد كل عدة ثوانٍ خوفًا من أن يغادر.
لا تحتاج السينما إلى أن تصبح Reel طويلًا؛ فلدينا منصات تقوم بهذه المهمة أصلًا. ما تستطيع السينما فعله بصورة أفضل هو أن تمنح الصورة وقتًا كي تصبح أكثر من مجرد شيء نراه قبل أن ننتقل إلى الشيء التالي.
لذلك، عندما يظهر فيلم يطلب منا ثلاث أو أربع أو حتى سبع ساعات، قد يكون طويلًا أكثر مما ينبغي، وقد يكون تجربة لا يمكن اختصارها، ولن تخبرنا المدة وحدها بأي الاحتمالين هو الصحيح. لكنها تضع أمامنا سؤالًا يستحق التفكير، لأننا نعيش للمرة الأولى تقريبًا في زمن يمكن للإنسان فيه أن يقضي معظم يومه محاطًا بالصور، ثم يشعر أن ساعتين أمام فيلم واحد مدة طويلة.
ربما لم نفقد الساعات التي كانت لدينا.
ربما فقط توقفنا عن منحها للشيء نفسه.