نزل قبل يومين «الاعلان الترويجي» لفيلم محارب الصحراء «Desert Warrior» الذي تم تصويره في نيوم و هو من انتاجات MBC الأصلية ، وقابله هجوم سلبي كاسح قبل أن يرى أحد الفيلم ، و تم تقييمه في IMDB من أكثر من 2000 شخص ليصبح تقييمه عند كتابة المقالة 1.2 من 10.
هذه البداية جديرة و كافية لتشخيص المشكلة ، فما حدث ليس أزمة إنتاج، ولا أزمة ممثلين، ولا حتى أزمة هوية ثقافية بالمعنى الذي يُتداول على منصات التواصل. ما حدث هو أزمة تموضع بامتياز.
والفرق جوهري: أزمة الإنتاج نراها في الفيلم ، أما أزمة التموضع فنراها في طريقة تسويقه.
ما الذي رآه الجمهور السعودي في الاعلان الترويجي؟
رأى فيلماً يحمل تاريخاً عربياً ، قصة مستوحاة من «معركة ذي قار»، باللغة الإنجليزية، ويُجسّد دور حنظلة بن ثعلبة البطل العربي ممثل أمريكي. وفي غياب أي إطار يشرح سبب هذه الخيارات مسبقاً، ملأ الجمهور الفراغ بمخاوفه.
جزء من الغضب ثقافي حقيقي ومفهوم وليس سلوك قطيع رقمي. حين يرى العربي حدثاً تاريخياً يمثّل لحظة عزة جماعية يُقدَّم بلغة غير لغته وبوجه لا يشبهه، ينشأ ما يصفه علم النفس الاجتماعي بتهديد الهوية الجماعية، وهذه ليست ردة فعل انفعالية، بل استجابة طبيعية لغياب إطار واضح.
لكن السؤال الأدق يبقى: هل كان الجمهور السعودي هو الجمهور المستهدف أصلاً؟
مشكلة التموضع قبل مشكلة الاعلان الترويجي!
في التسويق السينمائي، التموضع هو إجابة على سؤال واحد: سأبيع هذا الفيلم لمن ، ولماذا؟
الفيلم صُوِّر في نيوم كأول فيلم يستخدم مواقعها، وكان مأمولاً منه أن يكون واجهة للمواقع المذهلة والمرافق المتطورة التي تبنيها السعودية. بمعطياته الموضوعية 150 مليون دولار، تصوير في نيوم، مخرج هوليوودي، نجم عالمي وأوسكاري، هذه ليست معطيات فيلم موجّه للجمهور السعودي بالدرجة الأولى. هذه معطيات رسالة موجّهة لصناعة الأفلام عالمياً: السعودية دخلت اللعبة.
رسالة من هذا النوع لها جمهورها الطبيعي: استوديوهات هوليوود التي تبحث عن شراكات، صناديق الإنتاج الدولية، المهرجانات الكبرى. السعودية تقول للعالم: لدينا البنية التحتية، ولدينا القدرة التمويلية لإنتاج ينافس أضخم ما تصنعه هوليوود.
هذا بالضبط ما فعلته نيوزيلندا حين فتحت أبوابها لـ «Lord of the Rings» مطلع الألفية ، لم يكن الهدف أن يشعر النيوزيلندي بأن هذا “فيلمه”، بل كان الهدف أن يقول العالم: هذا البلد قادر على صنع السينما. فتحوّلت نيوزيلندا من دولة بلا صناعة سينمائية تُذكر إلى مركز إنتاج عالمي جذب أفلاماً ضخمة لعقدين متتاليين.
هل خدمت القصة التموضع؟
سؤال يستحق الطرح: لو كان الهدف فعلاً إعلان قدرة صناعية سعودية للعالم، فهل كانت قصة معركة ذي قار هي الاختيار الأنسب لهذا التموضع؟
الفيلم الذي يريد أن يقول «نحن قادرون على منافسة هوليوود» يحتاج قصة تتيح له هذا التموضع دون أن تُحمّله ثقلاً ثقافياً وتاريخياً يُعقّد العلاقة مع الجمهور المحلي من اليوم الأول. قصة ذي قار تحمل حساسية عربية عميقة، و لحظة عزة جماعية محفورة في الوجدان. توظيفها كخلفية لإنتاج هوليوودي يخلق توتراً مزدوجاً: الجمهور المحلي يشعر أن تاريخه استُعمل، والجمهور العالمي لا يحمل المرجعية الكافية ليفهم ثقلها.
وهذا التوتر لم ينشأ فجأة مع الاعلان الترويجي، فالفيلم مرّ بمسار إنتاجي طويل امتد من 2021 حتى عرضه الأول في زيورخ 2025، قبل أن تُحسم حقوق توزيعه الأمريكية في فبراير 2026. مسار كهذا يعكس أن التساؤل حول هوية الفيلم ولمن صُنع لم يكن حكراً على الجمهور، بل كان حاضراً لدى صناعه قبل أن يتم نشر الترليلر.
القصة التي تخدم تموضع “دخلنا اللعبة” كان يجب أن تكون إما محايدة ثقافياً بما يكفي لتُقدَّم بحرية كاملة، أو سعودية بعمق كافٍ لتُحوّل التموضع نفسه من «نحن نستطيع منافسة هوليوود» إلى «نحن نصنع سينمانا» وهذان مشروعان مختلفان تماماً.
وماذا قال من شاهده؟
حين عُرض الفيلم في زيورخ 2025، جاءت المراجعات النقدية الدولية بنفس الفجوة التي يشعر بها الجمهور السعودي اليوم — لكن من زاوية مختلفة.
Screen Daily وصفته بأنه “مذهل بصرياً” لكنه “يتعثر في منح شخصياته العمق والإنسانية” ، مضيفةً تساؤلاً صريحاً حول استخدام طاقم غير عربي لاستعراض تاريخ عربي. Variety أشادت بالتنفيذ التقني وبعض اللحظات البصرية الاستثنائية، لكنها وصفت الحزمة الدرامية الكلية بأنها “مألوفة بشكل مفرط” . Deadline كانت الأصرح، إذ رأت أن الفيلم يبدأ بخفة جذابة ثم يتحول تدريجياً إلى ملحمة ثقيلة متضخمة تفتقر لنجومية تحمل ثقلها .
هذا الإجماع النقدي يكشف شيئاً مهماً: الفجوة بين الإتقان التقني والضعف الدرامي ليست انطباعاً محلياً، بل تشخيص عالمي موثق. وهو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل يكفي الإبهار البصري وحده لتحقيق التموضع المنشود؟ تاريخ السينما يقول لا، لأن صناعة الأفلام تتذكر الأعمال التي تحرّك، لا تلك التي تبهر فقط.
لماذا غضب الناس قبل المشاهدة ؟
الفيلم لم يُشاهَد بعد من الجمهور العربي الواسع. وربما حين يُشاهَد يكون عملاً جيداً.
وليس مستبعداً أن يتلقى الفيلم حين يُعرض اهتماماً مختلفاً تماماً من صناعة الأفلام العالمية، لأن معاييرها تختلف عن معايير الجمهور السعودي على X. ما يراه المشاهد السعودي غياباً للهوية، قد يراه المنتج الأجنبي دليلاً على قدرة تقنية ومرونة إنتاجية. وما بدا أزمة في الاعلان الترويجي، قد يُقدَّم بشكل مختلف حين تكتمل الصورة. هذا الاحتمال قائم لكن لا يمكن الجزم به حتى يُشاهَد الفيلم كاملاً، وهو محور يستحق نقاشاً منفصلاً.
ما يمكن الجزم به الآن هو أن فيلماً بهذا الحجم وصل للجمهور بدون إطار يشرح من هو ولمن صُنع. والجمهور، قبل أي ناقد أو خبير، يحس بغياب الهوية. وهذا الإحساس لا يُصلح في المونتاج، ولا يُعالَج بإعلان ترويجيٍ ثانٍ.
كان يجب أن يُحسم قبل اليوم الأول من التصوير.
33