ليست كل الأفلام متساوية في علاقتها بالزمن. هناك أفلام تُعرض، تنجح، ثم تنسحب تدريجيًا من الذاكرة، وهناك أفلام تتجاوز حدود قصتها لتصبح اختبارًا للحظة سينمائية كاملة؛ كيف تُصنع الأفلام؟ ولماذا ما زلنا نذهب إلى دور العرض؟ وما الذي يستطيع أن يجمع ملايين المشاهدين حول شاشة واحدة في عصر أصبحت فيه الأفلام تصل إلى منازلنا بضغطة زر؟ ينتمي فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» إلى النوع الثاني. فهو لا يصل إلى الصالات باعتباره مجرد مشروع جديد لمخرج شهير، بل باعتباره رهانًا فنيًا وصناعيًا على إمكانية تحويل واحدة من أقدم الملاحم الإنسانية إلى حدث سينمائي عالمي. وبعد النجاح الذي حققه الفيلم في أيامه الأولى، لم يعد السؤال المطروح هو كم سيحقق من الإيرادات أو كم جائزة قد يفوز بها، بل ماذا سيترك وراءه عندما تنطفئ أضواء قاعات السينما؟
قد يكون الإرث الحقيقي لـ«الأوديسة» أبعد بكثير من أرقام شباك التذاكر. فمنذ سنوات طويلة، بنت هوليوود نموذجها الاقتصادي على الامتيازات التجارية؛ شخصيات معروفة، سلاسل لا تنتهي، وعوالم مترابطة تضمن عودة الجمهور مرة بعد أخرى. أما نولان، فيسير في الاتجاه المعاكس. فهو لا يعتمد على شخصية خارقة، ولا على جزء جديد من سلسلة ناجحة، بل يراهن على قصة عمرها آلاف السنين، وعلى اسمه بوصفه صانع الفيلم. خلال العقدين الماضيين، لم يعد الجمهور يشتري تذكرة لفيلم يحمل اسم نولان لأنه يعرف القصة مسبقًا، بل لأنه يثق بالطريقة التي ستُروى بها. وهذا التحول قد يكون أهم ما يقدمه الفيلم للصناعة؛ فالمخرج نفسه أصبح علامة تجارية قادرة على قيادة مشروع ضخم دون الحاجة إلى عالم سينمائي جاهز أو شخصية معروفة مسبقًا.
في الوقت نفسه، يعيد الفيلم طرح سؤال كانت دور السينما تحاول الإجابة عنه منذ صعود منصات البث: لماذا يخرج المشاهد من منزله أصلًا؟ لم تعد الشاشات المنزلية صغيرة، ولم يعد الوصول إلى الأفلام صعبًا، بل أصبحت تجربة المشاهدة أكثر راحة من أي وقت مضى. لكن «الأوديسة» يذكّرنا بأن السينما ليست مجرد قصة تُشاهد، بل تجربة تُعاش. فعندما يصمم الفيلم ليُعرض على أكبر شاشة ممكنة، وتصبح طريقة تصويره وعرضه جزءًا من هويته، فإن الذهاب إلى الصالة لا يعود مجرد وسيلة لمشاهدة الفيلم، بل يصبح جزءًا من الفيلم نفسه. هنا تستعيد السينما شيئًا كانت تخسره تدريجيًا؛ شعورها بأنها حدث جماعي لا يمكن نسخه بالكامل على شاشة هاتف أو تلفاز.
وربما يكون التحول الأكثر إثارة هو عودة الأساطير إلى قلب السينما التجارية. خلال العقدين الماضيين، صنعت هوليوود أساطيرها الخاصة من القصص المصورة والأبطال الخارقين، بينما بقيت الملاحم الكلاسيكية حبيسة الكتب أو المعالجات التقليدية. لكن «الأوديسة» يثبت أن القصص القديمة لا تصبح قديمة ما دامت تتحدث عن الإنسان. فحكاية رجل يحاول العودة إلى منزله بعد سنوات من الحرب، ويكتشف أن الرحلة غيّرته بقدر ما غيّرت العالم من حوله، ليست قصة يونانية فحسب، بل قصة تتكرر في كل زمن. وإذا نجح هذا النوع من الاقتباسات، فقد نرى اهتمامًا متزايدًا بالنصوص الكلاسيكية، ليس باعتبارها موادًا أدبية يجب احترامها، بل باعتبارها مناجم لحكايات إنسانية ما زالت قادرة على مخاطبة جمهور القرن الحادي والعشرين.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاعتقاد أن نجاح «الأوديسة» يعني نهاية أفلام الأبطال الخارقين أو اختفاء الامتيازات التجارية. فهذه الأعمال ستظل جزءًا أساسيًا من اقتصاد هوليوود، لأنها تقلل المخاطر وتوفر عوائد مستقرة. لكن ما قد يتغير هو احتكارها لفكرة “الفيلم الحدث”. لقد أثبت «أوبنهايمر» أن فيلمًا تاريخيًا معقدًا يمكن أن يتحول إلى ظاهرة جماهيرية، ويؤكد «الأوديسة» أن الجمهور لا يرفض الأفلام الطويلة أو العميقة، بل يرفض الأعمال التي لا تمنحه سببًا حقيقيًا للاهتمام. المشكلة لم تكن يومًا في مدة الفيلم أو تعقيده، وإنما في غياب المغامرة والرهان الفني.
يبقى السؤال: ماذا ستتعلم هوليوود من هذا النجاح؟ تاريخ الصناعة يقول إن الاستوديوهات تميل إلى تقليد النتائج أكثر من فهم أسبابها. وربما نشهد خلال السنوات المقبلة موجة من الأفلام الأسطورية الضخمة التي تحاول استنساخ مظهر «الأوديسية» دون أن تمتلك روحه. لكن الحقيقة أن ما يجعل تجربة نولان مختلفة ليس حجم المعارك، ولا استخدام كاميرات IMAX، ولا الميزانية الكبيرة، بل الثقة التي بناها مع جمهوره عبر سنوات من تقديم أفلام تحمل رؤية واضحة وهوية خاصة. هذه الثقة لا يمكن شراؤها، ولا يمكن تصنيعها في حملة تسويقية.
لهذا، ربما لن يكون السؤال الأهم بعد سنوات: كم حقق «الأوديسة» من الإيرادات؟ أو كم جائزة نال؟ بل هل منح الصناعة الشجاعة لتغادر المنطقة الآمنة التي بقيت تدور فيها طويلًا؟ فالأفلام التي تغيّر التاريخ ليست دائمًا تلك التي تحقق أعلى الأرقام، وإنما تلك التي تدفع الآخرين إلى التفكير بطريقة مختلفة. وإذا كان للأوديسية أن تترك أثرًا يتجاوز شاشات السينما، فسيكون في تذكير هوليوود بأن الجمهور ما زال يبحث عن الحكايات الكبيرة، وعن المخرجين الذين يملكون رؤية، وعن التجارب التي تجعل الذهاب إلى السينما حدثًا لا يمكن استبداله. فالأوديسة، في جوهرها، ليست قصة الوصول إلى مكان جديد، بل قصة العودة من الرحلة شخصًا مختلفًا. وربما تكون السينما، بعد هذه الرحلة، على وشك أن تعود هي الأخرى بصورة مختلفة.