في عالم السينما المُتعارف عليه والمنتشر، نجد الحبكات المعقدة والقصص الصاخبة والمشاهد السريعة، حتى نلاحظ أيضًا نمو الشخصيات وتفاعلها سريعًا مما ينقل المُشاهد في ارتفاع الاستجابة للحماس، وهذا بالتالي على جُرعات ضخمة ومتتالية يؤثر سلبًا على الصحة.
فن الإثارة والمشاهد المليئة بحس المغامرة هو جانب مبهر وجذاب في عالم السينما، ولكن هنالك جانب مُثمر وهادئ، تيارٌ نادر ولكنه يُثبت لنا رسالة أقوى.
تيارٌ يعكس لنا حياةً أكثر عمقًا، يعطينا أملًا ويلفت انتباهنا نحو ما هو قيّم وإنساني. هذا الجانب قوته في البطء وجماله في اللحظات اليومية وليس في المشاهد المُبهرة الاستثنائية.
هذا الجانب الهادئ من عالم السينما يضع بصمة منذ التاريخ وما زالت تعيش، لأن بصمته بالأصل تعيش معنا في واقعنا. هذه الأفلام والإنتاجات تُريك أن شروق الشمس لوحة تُصوَّر، وفنجان القهوة مع حوار عميق يُستحق أن يُنقل عبر الشاشات.
جذور الفن البطيء عبر تاريخ السينما
قد يبدو أن مصطلح “الحياة البطيئة” أو فكرة أن السينما مصدرٌ للتأمل والهدوء، مصطلحٌ وتعريفٌ حديث، ولكن لو نعود للوراء، حيث نقطة البداية، نرى المنبع الأساسي للسينما وهو “السينما الصامتة”.
بالرغم من أن نوع هذه الأفلام صُوِّرت بهذا الأسلوب بسبب نمط العيش آنذاك ووسائل التصوير وغياب تقنيات الصوت، ولكن هنا نسلط الضوء أكثر على أن القدرة على نقل قصة كاملة وشعور محدد فقط عبر مشاهد غير معقدة وتكاد تخلو من الإثارة أمرٌ ممكن، حتى ولو جمهور السينما الحديث اعتبره مملًا ولا يعود بشيء يُستحق.
فإذن الفن الهادئ بأنماطه المختلفة، تعود نقطة بدايته عبر السينما الصامتة. وباعتبار أن الأفلام الصامتة هي الولادة الحقيقية لفن السينما، هذا يوضح لنا أن السينما في غايتها وجوهرها تنقل لنا فنًا فريدًا حيث المشاعر الإنسانية والتأمل هو الغاية الأساسية من الفيلم.
ولادة جديدة للفن الهادئ
بعد فترة طويلة من التطور السينمائي، صار التنظيم مهمًا حتى في آلية التصوير والاستوديوهات، فصارت القصص تُعد في قوالب جاهزة تُرضي المُشاهد، ومواقع التصوير في أماكن مُعَدّة مسبقًا لتلائم السينما. وبالرغم من أن هذا التطور مفيد وإلى الآن يعيش ويُعتبر أساسيًا في كثير من صناعة الأفلام، إلا أن في تلك الفترة أصبحت السينما مُقيدة في نمط تقليدي وقواعد ثابتة.
لذلك، مثلما عرفنا السينما فهي حرة، فقررت الولادة من جديد للعودة لصورتها التي نشأت عليها.
في أواخر الخمسينيات والستينيات، جاءت الموجة لتحرر السينما من قيودها، ولتنهض من جديد، وهذه الموجة ليست مجرد أسلوب في الإخراج، ولا تخص دولة معينة، إنما هي بكل بساطة إعلانٌ فني ضد القواعد التقليدية. لقد أراد المخرجون أن يصوروا الحياة كما هي، وأن ينقلوا لنا جمالها بصورتها الحقيقية بعيدًا عن الاستوديوهات الضخمة والمبالغة في الأداء التمثيلي. وبذلك تحدّوا فكرة أن السينما مبنية على الإثارة والنمط التقليدي في السرد.
وهذا كان باتباع أساليب معينة جديدة في السينما، ويمكننا الإشارة لبعضها مثل:
الواقعية: حيث اختاروا مواقع طبيعية لالتقاط المشاهد، والتصوير فقط بإضاءة طبيعية، وممثلين عاديين ينقلون لنا جمال الواقع الإنساني.
حرية الكاميرا: صارت الكاميرا لها حريتها في نقل الصورة لنا، والبعض اتخذ أسلوب تثبيتها في زاوية معينة وترك المشهد يتم تصويره بحرية الكاميرا بدلًا من تحريك الطاقم لها.
وكانت هذه الموجة بمثابة النهوض من بعد الحرب العالمية الثانية، حيث الغالبية بحثوا عن مصدر أجمل للنظر في الحياة، وانعكاس فلسفي في نمط العيش.
وهذه الولادة الجديدة، والموجة الكاسرة للقواعد والجالبة للجمال الهادئ، انقسمت لعدة، ولكن كانت نقطة بدايتها في إيطاليا حيث الفن العتيق ونمط الحياة البطيئة في جوهره وأصالته.
الواقعية الإيطالية الجديدة «Neorealismo»
هذه الحركة كانت بمثابة “همسة” للأسلوب الهادئ في عالم السينما، وبرغم من أن معظم الإنتاجات تحاكي الواقع بصعوبته خاصةً بعد الحرب العالمية الثانية؛ إلا أنها كانت نقطة مفصلية ونقلة نحو التصوير الهادئ البسيط.
في هذه الأفلام نجد أن المخرجين نقلوا لنا المشاهد الطبيعية كما هي، الشوارع والمنازل بدلًا من الاستوديوهات. إضافةً لذلك؛ كان اختيار الممثلين بسيطًا حيث كان الأداء أقرب للواقع بعفويته وصدقه.
وكانت هذه الموجة بداية لاختيار أسلوب جديد للسينما.
الموجة الجديدة الفرنسية «Nouvelle Vague»
بعدما خطت إيطاليا الخطوة الأولى ومهّدت في تحول السينما نحو الواقع والنمط الهادئ البسيط في الأفلام، جاءت فرنسا وأضافت لمستها التي أدت إلى تطور هذا الأسلوب وإحيائه بطريقة فريدة.
فأولًا جعلت من المخرج هو المؤلف، فأصبح الفيلم يحمل بصمة وطابعًا خاصًا لكل مخرج بدلًا من أنه مجرد مخرج لقصة لم يكتبها. وهذا ساهم في أن المخرجين ينقلون لنا رؤيتهم وأن أفلامهم تصبح بمثابة خط كتابته المميز له.
وبالرغم من أن “الواقعية الإيطالية الجديدة” نقلت لنا المشاهد بطابعها الطبيعي، إلا أن تركيزها كان نحو المضمون حتى لو كان قاسيًا. بينما جاءت الموجة الفرنسية وأضافت الفن والحرية ولم يكتفوا بنقل الواقع فقط.
اهتمت السينما الفرنسية باللحظات العابرة، بالمشاهد البسيطة التي قد يراها البعض لا تحمل أهمية في الحبكة. مثل مشاهد هدوء الجلوس أمام البحر، أو الجلوس في المقهى. أيضًا استخدمت الحوارات الارتجالية فصارت مشاهد حوارات بسيطة لا تقود لشيء معين. انعكس جوهر الحياة البطيئة أكثر، وازداد نموه وجماله من بعد الموجة الإيطالية.
الموجة الجديدة الفرنسية قامت بإضافة تقنيات جديدة لم تكن مقبولة في الأفلام الكلاسيكية، مثل مشاهد القطع المفاجئ، أن ينقطع مشهد وننتقل لمشهد آخر. وبهذه التقنية أعطت حرية وعفوية أكبر.
إيحاء آخر للهدوء في السينما
لم تنتهِ حكاية الإحساس الفني الإنساني والنمط الهادئ، ولم تقتصر هذه الحركات على نطاق أوروبا. فعاد إرث الهدوء من جديد في فترة التسعينيات وأخذ رحلته إلى شرق آسيا، حيث اليابان التي بطبعها تعكس العيش المسالم والهدوء الآمن.
إضافةً إلى هذه البصمة الجديدة، فقد عادت ثورة التمرد على نمطية الأفلام المليئة بالإثارة مع السينما المستقلة بعد الحرب الباردة. فأصبح فن الحياة البطيئة أكثر وضوحًا وانتشارًا.
ومع هذا الانتشار، ظهر تصنيف وجزء من السينما في اليابان يسمى (الأفلام الشفائية “Healing movies”). وبرغم ارتباط الأسلوب بينها وبين الموجة الإيطالية والفرنسية السابقة، إلا أنها كانت تنظر إلى زاوية أخرى غير الفلسفة والفن والأفكار الوجودية كما الفرنسية، فشهدت هذه الأفلام رحلة تأمل عميقة في المشاعر والهدوء، وكأنما أساسها وغايتها هي الشفاء النفسي للمُشاهد.
وجانبًا لهذا التصنيف، جاءت السينما المستقلة بمثابة الوريث المباشر للموجة الإيطالية والفرنسية أكثر من السينما اليابانية، ولكن عامةً رسائلهم متشابهة.
إرث الهدوء لا يزول: بصمة في السينما
في النهاية، هذا النمط المميز الفريد الذي كان البصمة الأولى في السينما، مرورًا بمحاولات الصمود وسط الإثارة وصخب الحياة، وموجات فنية قوية مهدت الطريق له، حتى يُثبت لنا تواجده الذي يتجاوز نطاق السينما. فإن تفاصيل الحياة هي بالفعل رحلات متنوعة في التأمل والهدوء.
الآن أصبح هذا النمط لغة سينمائية عالمية تتحدث عن أعمق سمات الإنسان ومشاعره، وما زال يعيش حتى الآن في الإنتاجات الأخيرة رغم ندرته.
السينما، كما أي فن آخر، فهي حرة لا تجبرك على السير في قواعد، ولكنها تُظهر وتعيش نورها إن فهمت رسالتها وغايتها. فالسينما والأفلام ما هي إلا وسائل للتعبير عن المشاعر الإنسانية بشتى تنوعها وتعقيدها، وحتى إن بانت لفئات بأنها مصدر ترفيه، فهي لفئة المناسبة لها فنٌ لا يذبل ويُخلّد. وكما اللوحة في المتحف، تبعث الهدوء وتكون وسيلة للتأمل في الحياة وتواصلًا فريدًا مع الفكر والإنسان.